اسماعيل بن محمد القونوي
341
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أن يقع فيه خلف إذ المراد بالأغنياء ليس الإغناء بالمال بل المراد إغناء « 1 » فضل اللّه تعالى عن المال فلفظة من في قوله مِنْ فَضْلِ اللَّهِ * ابتدائية تفيد أن منشأ الإغناء فضله تعالى وبسببه يحصل الإغناء عن المال وفي المعنى أن لفظة من بمعنى الباء السببية لكن الفرق أن استعمال الباء السببية فيما يرجع إلى الفاعل شائع ومن فيما يرجع إلى المادة شائع والفضل هنا على هذا الاحتمال بمنزلة المادة . قوله : ( أو وعد من اللّه تعالى بالإغناء ) بالمال فعلى هذا لفظة من ابتدائية « 2 » أيضا وتفيد أن منشأ الإغناء بالمال فضل اللّه تعالى لا لاستحقاق من العبد . قوله : ( لقوله عليه السّلام اطلبوا الغنى في هذه الآية ) اطلبوا الغنى أي الغنى بالمال في هذه الآية أي في التزوج الذي نطق هذه الآية أنه سبب للغنى لوعد اللّه تعالى بالإغناء للمتزوج . قوله : ( لكن بشرط المشيئة لقوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [ التوبة : 28 ] ) فلا إشكال بأنه يلزم الخلف حينئذ إذا لم يحصل الغنى بعد التزوج والقرينة على هذه الشريطة قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [ التوبة : 28 ] الآية والآية يفسر بعضها بعضا فإن قيل كذلك العزب أغناه بالمشبه فما وجه التخصيص قيل إنه تقرر في الطباع أن العيال سبب الفقر ولذا سموها سوس المال فالمراد دفع هذا التوهم لا التخصيص فالمعنى أن النكاح لا يمنع الغنى فعبر عن نفي المانع بوجوده معه وهذا الجواب لا يلائم قوله عليه السّلام : اطلبوا الغنى في هذه الآية وتأويل الحديث الشريف بهذا المعنى بعيد جدا « 3 » والأقرب ما قيل في الجواب من أن الغنى للمتزوج أقرب وتعلق المشيئة أرجى للنص على وعد المتزوجين دونهم كما هو كذلك بالاستقراء ولا يقال إنه يأباه النص على خلافه فإن قوله تعالى : وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً [ النور : 33 ] الآية إنه وعد من اللّه بالتفضل عليهم بالغنى وهم غير متزوجين قوله : أو وعد من اللّه بالإغناء قيل الغناء هنا بمعنى القناعة وقيل اجتماع الرزقين رزق الزوج والزوجة وقال عمر رضي اللّه عنه عجبت لمن يبتغي الغناء بغير النكاح واللّه عز وجل يقول إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ النور : 32 ] وعن بعضهم وعد اللّه الغني بالنكاح وبالتفرق فقال يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وقال وإن يتفرقا يغن اللّه كلا من سعته وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « التمسوا الرزق بالنكاح » . قوله : ذو سعة لا تنفد نعمته أي لا تغني ولا تنقضي بالاعطاء والبذل من نفد الشيء بالكسر نفادا إذا فنى وانفد القوم أي ذهبت أموالهم أو فنى زادهم .
--> ( 1 ) إغناء فضل اللّه تعالى أشار إليه بقوله فإن في فضل اللّه تعالى غنية الخ حيث جعل الفضل ظرفا للغنية . ( 2 ) لكن بينهما فرق واضح إذ في الأول المبدئية يسبب كونه بمنزلة المادة للغنى وفي الثاني بسبب كون الفضل بمنزلة الباعث على الغنى كما أشرنا إليه . ( 3 ) إذ الأمر بالطلب يأبى عنه جزما .